الأربعاء، أكتوبر 21، 2009

لباريسَ الظلْ


 لباريسَ الظلِّ
القصيدة مهداة لصديقي الفنان والناقد والعاشق التشكيلي 
عبد الرازق عكاشة


على مقعدٍ خشبيّْ
جلستُ أمامَ صديقي يحدِّثُني عن فرنسا
وعن صمتِها المتكلمِ في عينِ عشَّاقِها الحالمين
وعن دهشةٍ حرَّكتْهُ
فتاةٌ من العُشبِ
جاءَتْ لمنهمكَينِ
توسَّطتِ البنتُ بينهما وتعرَّتْ
فهل كانتِ البنتُ باريسَ ؟
هل دونَ شئٍ يثيرُ اندهاشَ الفنونِ تموتُ ؟
وحدَّثَني عن صديقتِنا العربيةِ
حينَ اعتلاها الحضورُ بنزفِ ثلاثَ رجالٍ
تجيدُ القتالَ بدونِ سلاحٍ
يسيلُ اللُّعابُ
لتحترقَ الأغنياتُ ببعدِ السرابِ
وحدَّثتُهُ عن فتاةٍ منَ النهرِ
كانتْ بكلِّ دلالٍ
تريدُ لفافةَ تبغٍ
وكانتْ تريدُ الكلامَ أو الليلَ
قالتْ
_  ألي في المساءِ تجرُّدُ هذي البلادِ على راحَتَيْكَ ؟ .
وكانتْ فرنسا تصبُّ الظلالَ بباريسَ
في لوحةِ الغيمِ
عادَ إليَّ من الذكرياتِ الذي وجَّهَ القلبَ
نحو التفاتِ العصافيرِ في الظلِّ
ذكَّرَني بالمقاهي
ونادلةٍ كنتُ أضحكُ حينَ تلفُّتِها نحونا في اشتهاءٍ
وكيفَ تلفَّتَ شعري إلى لوحةٍ بالرصيفِ
ولم يجرؤِ العابرونَ على أنْ يفضُّوا بكارَتَها
قدْ تعرَّتْ لكُلِّ الرجالِ
ولا زالتِ البكرَ في عينِ ذاكَ القِطارِ
وكانتْ تظنُّ الفتاةُ التي بالجدارِ
بأنِّي أُشاهِدُها بالغريزةِ
قلتُ
أُحِبُ البراءةَ في شفتيكِ  
ونهداكِ شفَّا بكلِّ اللغاتِ القصيدةَ
حتَّى تُرِكتُ
نُسيتُ
ولم تَنْسِني يا فتاةَ الجدارِ
بباريسَ
لم تعْهَدِ الغانياتُ سوى الراحلينَ
ولم تعْهَدِ الراحلاتُ سوى الغائبينَ
كأنِّي بباريسَ ما كُنْتُ بالفاتحينَ
ولا الراحلينَ
أّذيقُ الغيابَ جمالَ الحضورِ
فَكَمْ مِنْ ليالٍ تُذِيبُ المكانَ
ولمْ يبقَ إلا الجمالَ على لوحةٍ
سطْرَ شِعرٍ يلخِّصُ مدَّ التَّجارِبِ في كُلِّ ليلٍ تعرَّى
يذوبُ الزمانُ
ولم يبقَ غيرُ انتهاءِ المواعيدِ عن رحلةِ الليلِ
قلتُ
_  صديقي لماذا على صفحةِ الماءِ وجهُكَ كالنسرِ يبدو
يحلِّقُ بالسبتِ
ليسَ يهمكَ غيرُ احتياجِ الجناحِ لريحِ المسافِرِ
قالَ
_  لأنَّ السماءَ تغيضُ عَنِ النَّاسِ في السبتِ أمطارها
كي تعانقَهُم في تشوُّقِها الشمسُ
قلتُ
وتشتاقُ للعشبِ شمسٌ
فتشتاقُ باريسَ
تذكُرُ شكلَ الغيابِ إذًا في بدايةِ رحلةِ طيرِ الحضورِ
فقالَ
_ أنا أعرِفُ الغائبينَ
وأينَ يكونُ الهواءُ مزيجًا من العاشقينَ
فقلتُ
- لماذا تكونُ النساءُ عرايا على ضِفَّةِ النهرِ  ؟
قالَ
_ لأنَّ التماثيلَ شِعْرٌ يسجِّلُ هذا الزمانَ
فقلتُ
وكيف يكونُ المكانُ ؟
فقالَ
_ يكونُ المكانُ على حافةِ السينِ أنسب للعابرينَ
وللعابرينَ الزمانُ
وللعاشقينَ البساطةُ والوقتُ .
هذي التواريخُ للعشبِ
والعُشبُ حظُّ الملوكِ
لهم ماعلينا
لنا منْ سماءٍ سماءٌ
على الأرضِ ظلُّ القصيدةِ فيها السلامُ
وباريسُ ذابتْ في حِضْنِ سحرِ الكلامِ
وأسماؤنا في القمرْ

الاثنين، مارس 02، 2009

باسم الولد الغائب



بِسْمِ الوَلَدِ الغَائِبِ


أهوَ الوداعُ ؟

وكيفَ لوْ كانَ الوداعَ نشيرُ في صمتٍ ...
وما قُلنَاهُ
ما يَكفي اللقاءَ على اشتياقٍ بيننَا في القاهرةْ ؟


هل كان ما قُلنَاهُ أوشكَ أنْ يردَّ الدربَ عنْ خطواتِنَا
كي نَبْتَغِي لُقيَاهُ
ما قُلنَاهُ مِنْ شعرٍ غيابٌ في حضورٍ
هلْ سيبقَى حيثُ كنَّا يذكرُ الأيامَ ...
أو يَسْتَرْجِعُ الضحكاتِ منْ وجعٍ عَلا نظراتِنَا نحنُ الثلاثةْ ؟
هل سيكفِي العمرُ تيهًا نرتدِيهِ بكلِ مقهىَ ...
أوْ سنضحكُ كُلَّمَا مسَّ الدخانُ الذاكرةْ ؟
فَعَلَى اجْتِهادِ العائدينَ منَ المدينةِ للمدينةِ ...
كانتِ الأيامُ تمضِي
حينَ كُنَّا نـَنـْثـَنِي في ضيقِ غُرْفَتِهِ الوحيدةِ
كانَ يضحكُ
في وجوهِ القومِ
يسخرُ ...
يعتريهِ الخوفُ
ينشرُ فوقَ حبْلِ غَسِيلِهِ كُلَّ الشوارِعِ كي تَجِفَّ منَ الملابِسِ والزحامِ بدونِ شمسٍ
كانَ يضحكُ لليالِي الساهرَةْ


أو كُنْت أَضحكُ
كانَ ثالِثُنَا حزينًا مِثْلَنَا
كلٌ لهُ في الاهِ صوتٌ مختَلِفْ
كلٌ لهُ في الخوفِ وجهٌ مختلِفْ
كلٌ لهُ في الريحِ آهٌ غائِرَةْ


الليلُ يجمَعُنَا
وصمتُ شوارعِ الإِسْفَلْتِ يخدعُنَا
وسرعةُ حافلاتِ الليلِ تُرْجِعُنَا ... لِمَاضِينَا
كُنَّا الغيابَ على المقاهِي
والنوارسَ دونَمَا بحرٍ
وكُنَّا الموجَ يتبعُ بعضُنَا الأيامَ
تلكَ المستحيلُ السهلُ
تغتالُ المشاعرَ في سويعاتٍ مُهِينَةْ
كمْ نموتُ ؟
و كيفَ كُنَّا نصعدُ الأيامَ
والأيامُ في صمتٍ حزينَةْ
والقطاراتُ التي ألقتْ بِهِ لودَاعِنَا
جائَتْ لِتُرْجِعَهُ هُنالِكَ
حيثُ ناداهُ التغربُ عنْ بساطةِ أهلِهِ
عمَّا يريدُ المرءُ ...
منْ رُسْلِ الصَّبَاحِ على وريقَاتِ الطبيعةِ
والدبابيرِ التِي كانتْ تُرَاوِغَهُ ...
فيُمْسِكُهَا ويفرحُ
والحكاياتِ القديمةِ
عادَ يُلْقِي كُلَّ مَا حَمَلَ السلامُ علَى النُّجُوعِ
على بيوتٍ بدَّلَ الزَّمَنُ الحديثُ جنوبِهَا بشمالِهِ
وعلَى الرمالِ
ويحملُ الوقتَ الذي مَا زادَهُ في الجسم غير نحالةٍ
وخشونةَ الوجهِ المبعثرِ في الظلالِ تداعيًا
وسجائرَ الـ " روثمانثِ " آخرَ ما تَبَقَّى مِنْ وجُوهِ الحَاضِرَة


دعْ زُخرفَ المدنِ البعيدةِ واقتربْ لبساطةِ الأرضِ التي تأويكَ
إنَّ الزخارفَ من علاماتِ التعجبِ حينَ تضحكُ في الرؤى ترديكَ
دعْ عنكَ وهنْكَ والمسافاتِ التي يسري بقلبِكَ عِشقُهَا يطويكَ
عدْ ليسَ فينَا ما تُنَاسِبُهُ الرُؤَى , عُدْ للقرَى , عُدْ للذِي يُحْيِكَ


إنَّا هنالكَ حيثُ تبعدُ عنْ عيونِ الناسِ
فيكَ
وإنَّ صوتَكَ حينَ تُلقِي الحرفَ فوقَ مقامراتِ الليلِ
فينَا
إنَّنَا
لا زالتِ النسماتُ تجرحُ صمتَنَا
والصمتُ يأوينَا
ويأوي جُرْحَنَا
والعائدينَ
من السرابِ إلى الفراغِ
العائدينَ
من القوافِي فِي انتشاءِ الناثِرَةْ



محمود سلامة

22 / 2 / 2009
على الطريق في سفرٍ

الأحد، يناير 18، 2009

لامرأةٍ واحدة

لامرأةٍ واحِدَةْ




على حافةِ النيلِ
قلتُ
أنا مِتُّ ثم التفتُّ
أراني
وأبحثُ عنِّي
ارتميتُ
لتلقطَنِي نسمةٌ باردَةْ
ينامُ الغموضُ على راحتَيْهَا
وتَغْفُو
لتشربَ ماءً ينامُ على شفتيَّ
اللتينِ تعانَـقَـتَا قبلةً واحدَةْ
صمتُّ
لعلِّي أجيبُكِ عن مَّا سألتِ
عَنِ الْحزنِ
إذ أرَّقَتْهُ الليالي وصَبَّتْهُ في مُقلتَيْنَا
عنِ الْخوفِ
و الْبُعدِ
إذ لاحَ في راحتَيْنا
_ ألسنَا نطيرُ
فنطوي الْمسافاتِ
قلتُ
ونجمينِ نبدأُ شعرًا
يبعثرُه الشوقُ
قالتْ
من الماءِ خوفِي
وفي صفحةِ الماءِ شئٌ يشدُ خطايَ ويخبرُنِي أننِي لستُ أغرقُ
روحي حمامٌ
حبيبي
يحطُّ علينَا
فيمْشِي على الماءِ
قلتُ أحبُّكِ
قالتْ
علينَا السلامُ
علينا
من البعدِ ظلٌ يوازي مِنَ اللوحةِ الضوءَ
لسنا غيابًا .... ولسنا حضورًا
فقلتُ
ولسنا سواناَ
غصونٌ تميلُ على نجمةٍ شاردَةْ
وجاءَ الشتاءُ
لأقطُفَ نهديكِ تفاحتينِ
وأشربَ من ثَغركِ الروحَ
أهتزُّ نرجسةً فيكِ
قالتْ تعبتُ
أرحنِي من السفرِ الموتِ
من أنَّةٍ تخرجُ الليلَ فقدًا
إذا كنتُ وحدِي بلا فائِدَةْ
أرِحنِي بقلبِي
بعينيكَ بالليلِ من دمعةٍ
تصلحُ الذكرياتُ لتنقشَهَا فوقَ بابِي
ومِنْ عطرِكَ المستحيل على غير قلبي
وخذنِي بودٍ إلى حيثُ كنَّا
وخذْ من حنينِي فَراشًا
وخُذْنَا
فقلتُ

ألِنَّا .... لنَسْمَتِنَا الهادِئَةْ ؟
أكُنَّا نذوبُ على ذاتِ شوقٍ ونُخْرِجُـنَا ضحكةً واحدَةْ
وكُنَّا وكُنَّا
_ ألا قلتَ نحنُ نكونُ وسوفَ نكونُ
_ بماضٍ جميلٍ أخافُ جلوسِي معَ الشمعِ دمعًا وحيدًا على المائدَةْ
قالتْ :
لعلِّي بدمعٍ أعيدُكَ في رَاحَتَيَّ
فقلتُ :
هي الدمعةُ القبلةُ الضمةُ الأخذةُ اللهفةُ الرجفةُ الرشفةُ البسمةُ النسمةُ الخالدَةْ
هي البسمةُ السائدَةْ
_ أخافُ ابتعادَكَ عنِّي وعنْكَ وعنْ رقصَةٍ ...
سوفَ أرقُصُهَا عندَ صدرِكَ في فرحَةٍ
قلتُ :
_ إنِّي البعيدُ القريبُ الذي كان يرويكِ لليلِ
قالتْ :
_ وإنْ تأتِنِي سوفَ أغرقُ في مُقلتَيكَ ابتسامًا
وتنهيدةَ سوفَ تفضحُ في وجهِكَ المستنيرِ ابتسامتَهُ

_ إنني طوعُ أمرٍ من الحبِّ أعصاهُ إنْ دلَّنِي أَنْ أموتَ علَى غيرِ بابِكِ
قالتْ :
_ أُحبُّكَ
قلت ُ
_ ولستُ أسيرًا لعهدٍ سوى للذي قدْ كتبنَاهُ ليلا على أرضِ غُرْفَتِنَا الشاهِدَةْ
أنا أنتِ أنتِ التِي لن تموتَ إذا كنتُ أُحْيِيْ لها كُلَّ نرجَسَةٍ
ما كنتُ أحسبُنِي نسمَةً بارِدَةْ